الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

461

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فافتتحت بحرف الردع والتنبيه ، وجيء بعده بحرف ثُمَّ الدال على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول . وكرر حرف الردع والتنبيه ، وحذف جواب لَوْ تَعْلَمُونَ [ التكاثر : 5 ] لما في حذفه من مبالغة التهويل ، وأتي بلام القسم لتوكيد الوعيد . وأكد هذا القسم بقسم آخر ، فهذه ستة وجوه . وأقول زيادة على ذلك : إن في قوله : عَيْنَ الْيَقِينِ تأكيدين للرؤية بأنها يقين وأن اليقين حقيقة . والقول في إضافة عَيْنَ الْيَقِينِ كالقول في إضافة عِلْمَ الْيَقِينِ [ التكاثر : 5 ] المذكور آنفا . [ 8 ] [ سورة التكاثر ( 102 ) : آية 8 ] ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ( 8 ) أعقب التوبيخ والوعيد على لهوهم بالتكاثر عن النظر في دعوة الإسلام من حيث إن التكاثر صدهم عن قبول ما ينجيهم ، بتهديد وتخويف من مؤاخذتهم على ما في التكاثر من نعيم تمتعوا به في الدنيا ولم يشكروا اللّه عليه بقوله تعالى : ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ، أي عن النعيم الذي خولتموه في الدنيا فلم تشكروا اللّه عليه وكان به بطركم . وعطف هذا الكلام بحرف ثُمَّ الدال على التراخي الرتبي في عطفه الجمل من أجل أن الحساب على النعيم الذي هو نعمة من اللّه أشدّ عليهم لأنهم ما كانوا يترقبونه ، لأن تلبسهم بالإشراك وهم في نعيم أشد كفرانا للذي أنعم عليهم . و النَّعِيمِ : اسم لما يلذّ لإنسان مما ليس ملازما له ، فالصحة وسلامة الحواس وسلامة الإدراك والنوم واليقظة ليست من النعيم ، وشرب الماء وأكل الطعام والتلذّذ بالمسموعات وبما فيه فخر وبرؤية المحاسن ، تعد من النعيم . والنعيم أخص من النعمة بكسر النون ومرادف للنّعمة بفتح النون . وتقدم النعيم عند قوله تعالى : لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ في سورة براءة [ 21 ] . والخطاب موجه إلى المشركين على نسق الخطابات السابقة . والجملة المضاف إليها ( إذ ) من قوله : يَوْمَئِذٍ محذوفة دل عليها قوله : لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ [ التكاثر : 6 ] أي يوم إذ ترون الجحيم فيغلظ عليكم العذاب . وهذا السؤال عن النعيم الموجه إلى المشركين هو غير السؤال الذي يسأله كل منعم عليه فيما صرف فيه النعمة ، فإن النعمة لما لم تكن خاصة بالمشركين خلافا للتكاثر كان